بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ
﴿اقْتَرَبَتِ
السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾
﴿اقْتَرَبَتِ
السَّاعَةُ﴾ دَنَتِ الْقِيَامَةُ ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ
الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ،
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ،
حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابن أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً
فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شَقَّتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا (٢)
.
وَقَالَ شَيَّبَانُ عَنْ قَتَادَةَ:
فَأَرَاهُمْ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرَّتَيْنِ (٣) .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ
الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ،
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ،
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ وَسُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ
عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٍ فَوْقَ الْجَبَلِ وفرقة
دونه، ١٤٥/ب
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اشْهَدُوا» (٤) .
(١) أخرج النحاس وابن الضريس وابن مردويه
والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: نزلت بمكة سورة (اقتربت الساعة) . انظر:
الدر المنثور: ٧ / ٦٦٩.
(٢)
أخرجه البخاري في مناقب الأنصار، باب انشقاق القمر: ٧ / ١٨٧.
(٣)
قطعة من حديث أخرجه مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب انشقاق القمر برقم:
(٢٨٠٢): ٤ / ٢١٥٩.
(٤)
أخرجه البخاري في التفسير- تفسير سورة القمر باب (وانشق القمر، وإن
يروا آية يعرضوا): ٨ / ٦١٧، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم، باب انشقاق القمر،
برقم: (٢٨٠٠): ٤ / ٢١٥٨.
وَقَالَ أَبُو الضُّحَى عَنْ
مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ بِمَكَّةَ. وَقَالَ
مُقَاتِلٌ: انْشَقَّ الْقَمَرُ ثُمَّ الْتَأَمَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَرَوَى أَبُو الضُّحَى عَنْ
مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: [انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ
اللَّهِ ﷺ] (١) فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: سَحَرَكُمُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ، فَاسْأَلُوا
السُّفَّارَ، فَسَأَلُوهُمْ فَقَالُوا: نَعَمْ قَدْ رَأَيْنَاهُ، فَأَنْزَلَ
اللَّهُ عز وجل: «اقْتَرَبْتِ
السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ» (٢) .
﴿وَإِنْ
يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا
أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣)﴾
﴿وَإِنْ
يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أَيْ: ذَاهِبٌ وَسَوْفَ
يَذْهَبُ وَيَبْطُلُ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَرَّ الشَّيْءُ وَاسْتَمَرَّ إِذَا ذَهَبَ،
مِثْلُ قَوْلِهِمْ: قَرَّ وَاسْتَقَرَّ، قَالَ هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ
وَقَتَادَةَ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ [وَالضَّحَّاكُ] (٣): «مُسْتَمِرٌّ»
أَيْ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ، مِنْ قَوْلِهِمْ: مَرَّ الْحَبْلُ
إِذَا صَلُبَ وَاشْتَدَّ وَأَمْرَرْتُهُ إِذَا أَحْكَمْتُ فَتْلَهُ وَاسْتَمَرَّ
الشَّيْءُ إِذَا قَوِيَ وَاسْتَحْكَمَ.
﴿وَكَذَّبُوا
وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ أَيْ: كَذَّبُوا النَّبِيَّ ﷺ وَمَا عَايَنُوا مِنْ
قُدْرَةِ اللَّهِ عز وجل وَاتَّبَعُوا مَا زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مِنَ
الْبَاطِلِ. ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ قَالَ الْكَلْبِيُّ: لِكُلِّ أَمْرٍ
حَقِيقَةٌ مَا كَانَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا فَسَيَظْهَرُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي
الْآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ
فَالْخَيْرُ مُسْتَقِرُّ بِأَهْلِ الْخَيْرِ، [وَالشَّرُّ مُسْتَقِرٌّ بِأَهْلِ
الشَّرِّ] (٤) .
وَقِيلَ: كُلُّ أَمْرٍ مِنْ خَيْرٍ
أَوْ شَرٍّ مُسْتَقِرٌّ قَرَارُهُ، فَالْخَيْرُ مُسْتَقِرٌّ بِأَهْلِهِ فِي
الْجَنَّةِ، وَالشَّرُّ مُسْتَقِرٌّ بِأَهْلِهِ فِي النَّارِ.
وَقِيلَ: يَسْتَقِرُّ قَوْلُ
الْمُصَدِّقِينَ وَالْمُكَذِّبِينَ حَتَّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوَابِ
وَالْعِقَابِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لِكُلِّ حَدِيثٍ مُنْتَهَى. وَقِيلَ: كُلُّ مَا
قُدِّرَ كَائِنٌ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ.
وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ
«مُسْتَقِرٍّ» بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَلَا وَجْهَ لَهُ.
(١) في «ب» (لما قال رسول الله ﷺ: اشهدوا)
.
(٢)
أخرجه الطبري: ٢٧ / ٨٥،
ابن كثير: ٤ / ٢٦٣، وعزاه السيوطي في الدر المنثور:
٧ / ٦٧٠ لابن المنذر وابن مردويه، وأبي نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل.
(٣)
ساقط من «ب».
(٤)
ما بين القوسين زيادة من «ب».
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا
فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)
حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ
النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِيَ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ
(٦)﴾
﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ
الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)﴾
﴿وَلَقَدْ
جَاءَهُمْ﴾ يَعْنِي: أَهَّلَ مَكَّةَ ﴿مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾ أَخْبَارِ الْأُمَمِ
الْمُكَذِّبَةِ فِي الْقُرْآنِ ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [مُتَنَاهًى]، مَصْدَرٌ
بِمَعْنَى الِازْدِجَارِ، أَيْ نَهْيٌ وَعِظَةٌ، يُقَالُ: زَجَرْتُهُ
وَازْدَجَرْتُهُ إِذَا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ، وَأَصْلُهُ: مُزْتَجَرٌ،
قُلِبَتِ التَّاءُ دَالًا.
﴿حِكْمَةٌ
بَالِغَةٌ﴾ يَعْنِي: الْقُرْآنُ حِكْمَةٌ تَامَّةٌ قَدْ بَلَغَتِ الْغَايَةَ
﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ «مَا» نَفْيًا عَلَى مَعْنَى:
فَلَيْسَتْ تُغْنِي النُّذُرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِفْهَامًا
وَالْمَعْنَى: فَأَيَّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ إِذَا خَالَفُوهُمْ
وَكَذَّبُوهُمْ؟ كَقَوْلِهِ: «وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ
لَا يُؤْمِنُونَ» (يُونُسَ -١٠١) و«النُّذُرُ»: جَمْعُ نَذِيرٍ.
﴿فَتَوَلَّ
عَنْهُمْ﴾ أَعْرِضْ عَنْهُمْ نَسَخَتْهَا آيَةُ القتال. قيل: ها هنا وَقَفٌ
تَامٌّ. وَقِيلَ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي﴾ أَيْ: إِلَى
يَوْمِ الدَّاعِي، قَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ إِسْرَافِيلُ يَنْفُخُ قَائِمًا عَلَى
صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [مُنْكَرٍ] فَظِيعٍ لَمْ
يَرَوْا مِثْلَهُ فَيُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظَامًا، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: «نُكْرٍ»
بِسُكُونِ الْكَافِ، وَالْآخَرُونَ بِضَمِّهَا.
﴿خُشَّعًا
أَبْصَارُهُمْ﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو، وَيَعْقُوبُ، وَحَمْزَةُ، وَالْكِسَائِيُّ:
«خَاشِعًا» عَلَى الْوَاحِدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: «خُشَّعًا» -بِضَمِّ الْخَاءِ
وَتَشْدِيدِ الشِّينِ -عَلَى الْجَمْعِ. وَيَجُوزُ فِي أَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ
إِذَا تَقَدَّمَتْ عَلَى الْجَمَاعَةِ التَّوْحِيدُ وَالْجَمْعُ وَالتَّذْكِيرُ
وَالتَّأْنِيثُ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرِجَالٍ حَسَنٌ أَوْجُهُهُمْ، وَحَسَنَةٌ
أَوْجُهُهُمْ، وَحِسَانٌ أَوْجُهُهُمْ، قَالَ الشَّاعِرُ: وَرِجَالٍ حَسَنٌ
أَوَجُهُهُمْ
مِنْ إِيَادِ بْنِ نِزَارِ بْنِ
مَعْدٍ.
وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ:
«خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ» أَيْ: ذَلِيلَةً خَاضِعَةً عِنْدَ رُؤْيَةِ الْعَذَابِ.
﴿يَخْرُجُونَ
مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ مِنَ الْقُبُورِ ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ مُنْبَثٌّ
حَيَارَى، وَذَكَرَ الْمُنْتَشِرَ
عَلَى لَفْظِ الْجَرَادِ،
نَظِيرُهُا: «كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ»، (الْقَارِعَةِ -٤) وَأَرَادَ أَنَّهُمْ
يَخْرُجُونَ فَزِعِينَ لَا جِهَةَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ يَقْصِدُهَا، كَالْجَرَادِ
لَا جِهَةَ لَهَا، تَكُونُ مُخْتَلِطَةً بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ.
﴿مُهْطِعِينَ
إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا
عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ
فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ
(١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾
﴿مُهْطِعِينَ﴾
مُسْرِعِينَ مُقْبِلِينَ ﴿إِلَى الدَّاعِي﴾ إِلَى صَوْتِ إِسْرَافِيلَ ﴿يَقُولُ
الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ يَوْمٌ صَعْبٌ شَدِيدٌ.
قَوْلُهُ عز وجل:
﴿كَذَّبَتْ
قَبْلَهُمْ﴾ أَيْ: قَبْلَ أَهْلِ مَكَّةَ ﴿قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾
نُوحًا ﴿وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ أَيْ: زَجَرُوهُ عَنْ دَعْوَتِهِ
وَمَقَالَتِهِ بِالشَّتْمِ وَالْوَعِيدِ، وَقَالُوا: «لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا
نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ» (الشُّعَرَاءِ -١١٦) وَقَالَ مُجَاهِدٌ:
مَعْنَى: ازْدُجِرَ أَيِ: اسْتُطِيرَ جُنُونًا.
﴿فَدَعَا﴾
نُوحٌ ﴿رَبَّهُ﴾ وَقَالَ ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ﴾ مَقْهُورٌ ﴿فَانْتَصِرْ﴾ فَانْتَقِمْ
لِي مِنْهُمْ.
﴿فَفَتَحْنَا
أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ مُنْصَبٍّ انْصِبَابًا شَدِيدًا، لَمْ
يَنْقَطِعْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقَالَ يَمَانُ: قَدْ طَبَّقَ مَا بَيْنَ
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
﴿وَفَجَّرْنَا
الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ يَعْنِي مَاءَ السَّمَاءِ وَمَاءَ
الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا قَالَ: «فَالْتَقَى الْمَاءُ» وَالِالْتِقَاءُ لَا يَكُونُ
مِنْ وَاحِدٍ، إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ
يَكُونُ جَمْعًا وَوَاحِدًا. وَقَرَأَ عَاصِمٌ الجحدري: فالتقى الماآن. ﴿عَلَى
أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أَيْ: قُضِيَ عَلَيْهِمْ فِي أُمِّ الْكِتَابِ. وَقَالَ
مُقَاتِلٌ: قَدَّرَ اللَّهُ أن يكون الماآن سَوَاءً فَكَانَا عَلَى مَا قُدِرَ.
﴿وَحَمَلْنَاهُ﴾
يَعْنِي: نُوحًا ﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ أَيْ سَفِينَةٍ ذَاتِ
أَلْوَاحٍ، ذَكَرَ النَّعْتَ وَتَرَكَ الِاسْمَ، أَرَادَ بِالْأَلْوَاحِ خَشَبَ
السَّفِينَةِ الْعَرِيضَةِ ﴿وَدُسُرٍ﴾ أَيِ: الْمَسَامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِهَا
الْأَلْوَاحُ، وَاحِدُهَا دِسَارٌ وَدَسِيرٌ، يُقَالُ: دَسَرْتُ السَّفِينَةَ
إِذَا شَدَدْتُهَا بِالْمَسَامِيرِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: الدُّسُرُ صَدْرُ
السَّفِينَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تدسر الماء بجؤجؤها، أَيْ تَدْفَعُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ عَوَارِضُ السَّفِينَةِ. وَقِيلَ: أَضْلَاعُهَا. وَقَالَ
الضَّحَّاكُ: الْأَلْوَاحُ جَانِبَاهَا، وَالدُّسُرُ أَصْلُهَا وَطَرَفَاهَا.
﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ
كُفِرَ (١٤)
وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ
مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا
الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾
﴿تَجْرِي
بِأَعْيُنِنَا﴾ أَيْ: بِمَرْأًى مِنَّا. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ:
بِحِفْظِنَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلْمُوَدَّعِ: عَيْنُ اللَّهِ عَلَيْكَ.
وَقَالَ سُفْيَانُ: بِأَمْرِنَا ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [قَالَ مُقَاتِلُ
بْنُ حَيَّانَ]: يَعْنِي: فِعْلَنَا بِهِ وَبِهِمْ مِنْ إِنْجَاءِ نُوحٍ
وَإِغْرَاقِ قَوْمِهِ ثَوَابًا لِمَنْ كَانَ كُفِرَ بِهِ وَجُحِدَ أَمْرُهُ،
وَهُوَ نُوحٌ عليه السلام، وَقِيلَ: «مَنْ» بِمَعْنَى مَا أَيْ: جَزَاءً لِمَا
كَانَ كُفِرَ مِنْ أَيَادِي اللَّهِ وَنِعَمِهِ عِنْدَ الَّذِينَ أَغْرَقَهُمْ،
أَوْ جَزَاءً لِمَا [صُنْعَ] بِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ: «جَزَاءً
لِمَنْ كَانَ كَفَرَ» بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْفَاءِ، يَعْنِي كَانَ الْغَرَقُ
جَزَاءً / لِمَنْ كَانَ كَفَرَ بِاللَّهِ وكذب رسوله.
١٤٦/أ ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ يَعْنِي:
[الْفِعْلَةَ الَّتِي] فَعَلْنَا ﴿آيَةً﴾ يُعْتَبَرُ بِهَا. وَقِيلَ: أَرَادَ
السَّفِينَةَ. قَالَ قَتَادَةُ: أَبْقَاهَا اللَّهُ [بِبَاقِرِ دِي] مِنْ أَرْضِ
الْجَزِيرَةِ. عِبْرَةً وَآيَةً حَتَّى نَظَرَتْ إِلَيْهَا أَوَائِلُ هَذِهِ
الْأُمَّةِ ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ أَيْ: مُتَذَكِّرٍ مُتَّعِظٍ مُعْتَبِرٍ
خَائِفٍ مِثْلَ عُقُوبَتِهِمْ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ
الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ،
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ،
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ سَمِعَ
رَجُلًا سَأَلَ الْأَسْوَدَ عَنْ قَوْلِهِ: «فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» أَوْ
مُذَكِّرٍ؟ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ يَقْرَؤُهَا «فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ»،
وَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَؤُهَا: «فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ» دَالًّا.
﴿فَكَيْفَ
كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أَيْ: إِنْذَارِي. قَالَ الْفَرَّاءُ: الْإِنْذَارُ
وَالنُّذُرُ مَصْدَرَانِ، تَقُولُ الْعَرَبُ: أَنْذَرْتُ إِنْذَارًا وَنُذُرًا،
كَقَوْلِهِمْ أَنْفَقْتُ إِنْفَاقًا وَنَفَقَةً، وَأَيْقَنْتُ إِيقَانًا
وَيَقِينًا، أُقِيمَ الِاسْمُ مَقَامَ الْمَصْدَرِ.
﴿وَلَقَدْ
يَسَّرْنَا﴾ سَهَّلْنَا ﴿الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ لِيُتَذَكَّرَ وَيُعْتَبَرَ بِهِ،
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَسَّرْنَاهُ لِلْحِفْظِ وَالْقِرَاءَةِ، وَلَيْسَ
شَيْءٌ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظَاهِرًا إِلَّا الْقُرْآنَ «فَهَلْ
مِنْ مُدَّكِرٍ»، مُتَّعِظٍ بِمَوَاعِظِهِ.
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي
وَنُذُرِ (١٨)
إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ
كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ
(٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ
ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا
إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا
بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥)﴾
﴿كَذَّبَتْ
عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا
صَرْصَرًا﴾ شَدِيدَةَ الْهُبُوبِ ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ شَدِيدٍ دَائِمِ
الشُّؤْمِ، اسْتَمَرَّ عَلَيْهِمْ بِنَحْوِ سَنَةٍ فَلَمْ يُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا
إِلَّا أَهْلَكَهُ. قِيلَ: كَانَ ذَلِكَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ فِي آخِرِ
الشَّهْرِ.
﴿تَنْزِعُ
النَّاسَ﴾ تَقْلَعُهُمْ ثُمَّ تَرْمِي بهم على رؤوسهم فَتَدُقُّ رِقَابَهُمْ.
وَرُوِيَ أَنَّهَا كَانَتْ تَنْزِعُ النَّاسَ مِنْ قُبُورِهِمْ ﴿كَأَنَّهُمْ
أَعْجَازُ نَخْلٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُصُولُهَا، وَقَالَ الضَّحَّاكُ:
أَوْرَاكُ نَخْلٍ. ﴿مُنْقَعِرٍ﴾ [مُنْقَطِعٍ] مِنْ مَكَانِهِ سَاقِطٍ عَلَى
الْأَرْضِ. وَوَاحِدُ الْأَعْجَازِ عَجُزٍ، مِثْلَ عَضُدٍ وَأَعْضَادُ وَإِنَّمَا
قَالَ: «أَعْجَازُ نَخْلٍ» وَهِيَ أُصُولُهَا الَّتِي قُطِّعَتْ فُرُوعُهُا؛
لِأَنَّ الرِّيحَ كانت تبين رؤوسهم مِنْ أَجْسَادِهِمْ، فَتُبْقِي أجسادهم بلا
رؤوس.
﴿فَكَيْفَ
كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ
مُدَّكِرٍ كَذَّبْتُ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ بِالْإِنْذَارِ الَّذِي جَاءَهُمْ بِهِ
صَالِحٌ.
﴿فَقَالُوا
أَبَشَرًا﴾ آدَمِيًّا ﴿مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ وَنَحْنُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ
وَهُوَ وَاحِدٌ ﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ﴾ خَطَأٍ وَذَهَابٍ عَنِ الصَّوَابِ
﴿وَسُعُرٍ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَذَابٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ: شِدَّةُ عَذَابٍ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: عَنَاءٌ، يَقُولُونَ: إِنَّا إِذًا لَفِي عَنَاءٍ وَعَذَابٍ
مِمَّا يَلْزَمُنَا مِنْ طَاعَتِهِ. قَالَ سُفْيَانُ ابن عُيَيْنَةَ: هُوَ جَمْعُ
سَعِيرٍ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: جُنُونٌ، يُقَالُ نَاقَةٌ مَسْعُورَةٌ إِذَا
كَانَتْ خَفِيفَةَ الرَّأْسِ هَائِمَةً عَلَى وَجْهِهَا. وَقَالَ وَهْبٌ:
وَسُعُرٍ: أَيْ: بُعْدٍ عَنِ الْحَقِّ.
﴿أَأُلْقِيَ
الذِّكْرُ عَلَيْهِ﴾ أَأُنْزِلَ الذِّكْرُ الْوَحْيُ ﴿مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ
كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ بَطِرٌ مُتَكَبِّرٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَعَظَّمَ عَلَيْنَا
بِادِّعَائِهِ النُّبُوَّةِ، «وَالْأَشَرُ»: الْمَرَحُ وَالتَّجَبُّرُ.
﴿سَيَعْلَمُونَ
غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً
لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧)﴾
﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ
بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)
فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى
فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)﴾
﴿سَيَعْلَمُونَ﴾
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ: «سَتَعْلَمُونَ» بِالتَّاءِ عَلَى مَعْنَى قَالَ
صَالِحٌ لَهُمْ، وَقَرَأَ
الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ، يَقُولُ
اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا﴾ حِينَ يَنْزِلُ بِهِمُ الْعَذَابُ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَذِكْرُ «الْغَدِ»
لِلتَّقْرِيبِ عَلَى عَادَةِ النَّاسِ، يَقُولُونَ: إِنَّ مَعَ الْيَوْمِ غَدًا ﴿مَنِ
الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ .
﴿إِنَّا
مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ أَيْ: بَاعِثُوهَا وَمُخْرِجُوهَا مِنَ الْهَضْبَةِ الَّتِي
سَأَلُوا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَعَنَّتُوا عَلَى صَالِحٍ، فَسَأَلُوهُ أَنْ
يُخْرِجَ لَهُمْ مِنْ صَخْرَةٍ نَاقَةً حَمْرَاءَ عَشْرَاءَ، فَقَالَ اللَّهُ
تَعَالَى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ مِحْنَةً وَاخْتِبَارًا
لَهُمْ ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ فَانْتَظَرَ مَا هُمْ صَانِعُونَ ﴿وَاصْطَبِرْ﴾
وَاصْبِرْ عَلَى ارْتِقَابِهِمْ، وَقِيلَ: عَلَى مَا يُصِيبُكَ مِنَ الْأَذَى.
﴿وَنَبِّئْهُمْ
أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ وَبَيْنَ النَّاقَةِ يَوْمٌ لَهَا وَيَوْمٌ
لَهُمْ، وَإِنَّمَا قَالَ بَيْنَهُمْ لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَخْبَرَتْ عَنْ
بَنِي آدَمَ وَعَنِ الْبَهَائِمِ غَلَّبَتْ بَنِي آدَمَ عَلَى الْبَهَائِمِ ﴿كُلُّ
شِرْبٍ﴾ نَصِيبٍ مِنَ الْمَاءِ ﴿مُحْتَضَرٌ﴾ يَحْضُرُهُ مَنْ كَانَتْ نَوْبَتُهُ،
فَإِذَا كَانَ يَوْمُهَا حَضَرَتْ شِرْبَهَا، وَإِذَا كَانَ يَوْمُهُمْ حَضَرُوا
شِرْبَهُمْ، وَحَضَرَ وَاحْتَضَرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: يَعْنِي
يَحْضُرُونَ الْمَاءَ إِذَا غَابَتِ النَّاقَةُ، فَإِذَا جَاءَتِ النَّاقَةُ
حَضَرُوا اللَّبَنَ.
﴿فَنَادَوْا
صَاحِبَهُمْ﴾ وَهُوَ قِدَارُ بْنُ سَالِفٍ ﴿فَتَعَاطَى﴾ فَتَنَاوُلَ النَّاقَةَ
بِسَيْفِهِ ﴿فَعَقَرَ﴾ أَيْ: فَعَقَرَهَا.
﴿فَكَيْفَ
كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ عَذَابَهُمْ فَقَالَ:
﴿إِنَّا
أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ قَالَ عَطَاءٌ: يُرِيدُ صَيْحَةَ
جِبْرِيلَ عليه السلام ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
هُوَ الرَّجُلُ يَجْعَلُ لِغَنَمِهِ حَظِيرَةً مِنَ الشَّجَرَةِ وَالشَّوْكِ دُونَ
السِّبَاعِ، فَمَا سَقَطَ مِنْ ذَلِكَ فَدَاسَتْهُ الْغَنَمُ فَهُوَ الْهَشِيمُ
(١) .
(١) انظر القرطبي: ١٧ / ١٤٢.
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: هُوَ
الشَّجَرُ الْبَالِي الَّذِي تَهَشَّمَ حَتَّى ذَرَتْهُ الرِّيحُ (١) .
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ صَارُوا كَيَبَسِ الشَّجَرِ إِذَا تَحَطَّمَ، وَالْعَرَبُ
تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ كَانَ رَطْبًا فَيَبِسَ: هَشِيمًا.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كَالْعِظَامِ
النَّخِرَةِ الْمُحْتَرِقَةِ (٢) . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ
التُّرَابُ الَّذِي يَتَنَاثَرُ مِنَ الْحَائِطِ (٣) .
﴿وَلَقَدْ
يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ
(٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ
بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥)
وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ
رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ
(٣٧)﴾
﴿وَلَقَدْ
يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ
بِالنُّذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ رِيحًا تَرْمِيهِمْ
بِالْحَصْبَاءِ، وَهِيَ الْحَصَى وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي صِغَارَ الْحَصَى.
وَقِيلَ: «الْحَصْبَاءُ» هِيَ الْحَجَرُ الَّذِي دُونَ مِلْءِ الْكَفِّ، وَقَدْ
يَكُونُ الْحَاصِبُ الرَّامِي فَيَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا: أَرْسَلَنَا
عَلَيْهِمْ عَذَابًا يَحْصِبُهُمْ أَيْ: يَرْمِيهِمْ بِالْحِجَارَةِ، ثُمَّ
اسْتَثْنَى فَقَالَ: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ يَعْنِي لُوطًا وَابْنَتَيْهِ
﴿نَجَّيْنَاهُمْ﴾ مِنَ الْعَذَابِ ﴿بِسَحَرٍ﴾ .
﴿نِعْمَةً
مِنْ عِنْدِنَا﴾ أَيْ: جَعَلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا عَلَيْهِمْ حَيْثُ
أَنْجَيْنَاهُمْ ﴿كَذَلِكَ﴾ كَمَا أَنْعَمَنَا عَلَى آلِ لُوطٍ ﴿نَجْزِي مَنْ
شَكَرَ﴾ قَالَ مُقَاتِلٌ: مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ لَمْ يُعَذِّبْهُ مَعَ
الْمُشْرِكِينَ.
﴿وَلَقَدْ
أَنْذَرَهُمْ﴾ لُوطٌ ﴿بَطْشَتَنَا﴾ أَخْذَنَا إِيَّاهُمْ بِالْعُقُوبَةِ
﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ شَكُّوا بِالْإِنْذَارِ وَكَذَّبُوا وَلَمْ
يُصَدِّقُوا.
﴿وَلَقَدْ
رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ طَلَبُوا أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ أَضْيَافَهُ
﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا قَصَدُوا دَارَ لُوطٍ
وَعَالَجُوا الْبَابَ لِيَدْخُلُوا، قَالَتِ الرُّسُلُ [لِلُوطٍ] (٤): خَلِّ
بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الدُّخُولِ فَإِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ،
فدخلوا الدار ١٤٦/ب فَصَفَقَهُمْ جِبْرِيلُ بِجَنَاحِهِ بِإِذْنِ اللَّهِ
فَتَرَكَهُمْ عُمْيًا يَتَرَدَّدُونَ مُتَحَيِّرِينَ لَا يَهْتَدُونَ إِلَى
الْبَابِ، فَأَخْرَجَهُمْ لُوطٌ عُمْيًا لَا يُبْصِرُونَ. قَوْلُهُ: «فَطَمَسْنَا
أَعْيُنَهُمْ» أَيْ: صَيَّرْنَاهَا
(١) انظر: ابن كثير: ٤ / ٢٦٦.
(٢)
انظر: الطبري: ٢٧ / ١٠٣، البحر المحيط: ٨ / ١٨١.
(٣)
أخرجه الطبري: ٢٧ / ١٠٣، وقال ابن كثير: ٤ / ٢٦٦ «هذا قول غريب» وعزاه السيوطي في
الدر المنثور: ٧ / ٦٨٠ لعبد بن حميد.
(٤)
ساقط من «ب».
كَسَائِرِ الْوَجْهِ لَا يُرَى لَهَا
شَقٌّ، هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: طَمَسَ
اللَّهُ أَبْصَارَهُمْ فَلَمْ يَرَوُا الرُّسُلَ، فَقَالُوا: قَدْ رَأَيْنَاهُمْ
حِينَ دَخَلُوا الْبَيْتَ فَأَيْنَ ذَهَبُوا، فَلَمْ يَرَوْهُمْ فَرَجَعُوا.
﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أَيْ: [مَا أَنْذَرَكُمْ] (١) بِهِ لُوطٌ مِنَ
الْعَذَابِ.
﴿وَلَقَدْ
صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩)
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ
جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا
فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ
أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ
مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾
﴿وَلَقَدْ
صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً﴾ جَاءَهُمْ وَقْتَ الصُّبْحِ ﴿عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ دَائِمٌ
اسْتَقَرَّ فِيهِمْ حَتَّى أَفْضَى بِهِمْ إِلَى عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَقِيلَ:
عَذَابٌ حَقٌّ.
﴿فَذُوقُوا
عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ
مُدَّكِرٍ وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ يَعْنِي: مُوسَى وَهَارُونُ عليهما
السلام، وَقِيلَ: هِيَ الْآيَاتُ الَّتِي أَنْذَرَهُمْ بِهَا مُوسَى.
﴿كَذَّبُوا
بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ وَهِيَ الْآيَاتُ التِّسْعُ ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ بِالْعَذَابِ
﴿أَخْذَ عَزِيزٍ﴾ غَالِبٍ فِي انْتِقَامِهِ ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ قَادِرٍ عَلَى
إِهْلَاكِهِمْ، لَا يُعْجِزُهُ مَا أَرَادَ، ثُمَّ خَوَّفَ أَهْلَ مَكَّةَ فَقَالَ:
﴿أَكُفَّارُكُمْ
خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ أَشَدُّ وَأَقْوَى مِنَ الَّذِينَ أَحْلَلْتُ بِهِمْ
نِقْمَتِي مَنْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَآلِ فِرْعَوْنَ؟
وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ أَيْ: لَيْسُوا بِأَقْوَى مِنْهُمْ
﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ﴾ الْعَذَابُ ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ فِي الْكُتُبِ، أَنَّهُ لَنْ
يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَ الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ.
﴿أَمْ
يَقُولُونَ﴾ يَعْنِي: كُفَّارُ مَكَّةَ ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ قَالَ
الْكَلْبِيُّ: نَحْنُ جَمِيعُ أَمْرِنَا [مُنْتَصِرٌ] (٢) مِنْ أَعْدَائِنَا
الْمَعْنَى: نَحْنُ يَدٌ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ خَالَفْنَا مُنْتَصِرٌ مِمَّنْ
عَادَانَا، وَلَمْ يَقِلْ منتصرون لموافقة رؤوس الْآيِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَيُهْزَمُ
الْجَمْعُ﴾ قَرَأَ يَعْقُوبُ: «سَنَهْزِمُ» بِالنُّونِ «الْجَمْعَ» نَصْبٌ
وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْيَاءِ وَضَمِّهَا، «الْجَمْعُ» رَفْعٌ عَلَى غَيْرِ
تَسْمِيَةِ الْفَاعِلِ، يَعْنِي: كُفَّارَ مَكَّةَ ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾
(١) في«ب» ما أنذرهم.
(٢)
في «أ» مستقر.
يَعْنِي: الْأَدْبَارَ فَوَحَّد لأجل
رؤوس الْآيِ، كَمَا يُقَالُ: ضربنا منهم الرؤوس وضربنا مِنْهُمُ الرَّأْسَ إِذَا
كَانَ الْوَاحِدُ يُؤَدِّي مَعْنَى الْجَمْعِ، أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُمْ
يُوَلُّونَ أَدْبَارَهُمْ مُنْهَزِمِينَ فَصَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَهَزَمَهُمْ
يَوْمَ بَدْرٍ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ
الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ،
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ،
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا
خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ
فِي قُبَّتِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ،
اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ»، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ
بِيَدِهِ، فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ
-وَهُوَ فِي الدِّرْعِ -فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ
وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ» (١) .
﴿بَلِ
السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ
وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ
سَقَرَ (٤٨)﴾
﴿بَلِ
السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ قَالَ سَعِيدُ بْنُ
الْمُسَيِّبِ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَقُولُ: لَمَّا
نَزَلَتْ: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ» كُنْتُ لَا أَدْرِي
أَيَّ جَمْعٍ يُهْزَمُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ
يَثِبُ فِي دِرْعِهِ وَيَقُولُ: «سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ
بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ» جَمِيعًا «وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ» (٢)
أَعْظَمُ دَاهِيَةً وَأَشَدُّ مَرَارَةً مِنَ الْأَسْرِ وَالْقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ.
﴿إِنَّ
الْمُجْرِمِينَ﴾ الْمُشْرِكِينَ ﴿فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ قِيلَ: «فِي ضَلَالٍ»
بُعْدٍ عَنِ الْحَقِّ. قَالَ الضَّحَّاكُ: «وَسُعُرٍ» أَيْ: نَارٌ تُسَعَّرُ
عَلَيْهِمْ: وَقِيلَ: «ضَلَالٌ» ذَهَابٌ عَنْ طَرِيقِ الْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ،
«وَسُعُرٍ»: نَارٌ مُسَعَّرَةٌ، قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ: إِنَّ
الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ فِي الدُّنْيَا وَنَارٍ فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ
قَتَادَةُ: فِي عَنَاءٍ وَعَذَابٍ (٣) .
ثُمَّ بَيَّنَ عَذَابَهُمْ فَقَالَ:
﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ﴾ يُجَرُّونَ ﴿فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ وَيُقَالُ
لَهُمْ ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ .
(١) أخرجه البخاري في الجهاد، باب ما قيل في
درع النبي ﷺ، والقميص في الحرب:٦ / ٩٩، وفي المغازي، وفي التفسير، والمصنف في شرح
السنة:١٠ / ٤٠٠.
(٢)
أخرجه عبد الرزاق:٢ / ٢٥٩، والطبري:٢٧ / ١٠٨،والإمام أحمد:١ / ٣٢٩. ورواه إسحاق بن
راهويه عن قتادة، وفيه انقطاع، انظر المطالب العالية: ٣ / ٣٨١. قال الحافظ في
الفتح: ٧ / ٢٨٩-٢٩٠: «أخرجه الطبري وابن مردويه عن عكرمة عن ابن عباس: لما
نزلت....قال عمر:....، وأخرجه ابن مردويه أيضًا عن أبي هريرة..».
(٣)
انظر الطبري: ٢٧ / ١٠٩.
﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾
﴿إِنَّا
كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أَيْ: مَا خَلَقْنَاهُ فَمَقْدُورٌ
وَمَكْتُوبٌ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، قَالَ الْحَسَنُ: قَدَّرَ اللَّهُ
لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ قَدَرَهُ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ
بْنُ الْحُسَيْنِ الْقُرَشِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُسْلِمٍ غَالِبُ بْنُ عَلِيٍّ
الرَّازِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو [مَعْشَرٍ] (١) يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الْجَلِيلِ
بْنِ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو يَزِيدَ حَاتِمُ بْنُ مَحْبُوبٍ، أَخْبَرَنَا
أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
الْوَلِيدِ الْعَدَنِيُّ، أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ زِيَادِ بْنِ
إِسْمَاعِيلَ السَّهْمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَتْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ إِلَى
النَّبِيِّ ﷺ يُخَاصِمُونَهُ فِي الْقَدَرِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: «إِنَّ
الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ» إِلَى قَوْلِهِ: «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ
خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ» (٢) .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ
بْنُ يُوسُفَ الْجُوَيْنِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ
بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَرِيكٍ الشَّافِعِيُّ الْخُدْشَاهِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَبُو بَكْرٍ الْجَوْرَبَذِيُّ، أَخْبَرَنَا
يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
وَهْبٍ، أخبرني أبو هانيء الْخَوْلَانِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ
[الْحُبُلِيُّ] (٣) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه قَالَ:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ
قَبْلَ أن يخلق السموات وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَكَانَ
عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» (٤) .
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ
السَّرْخَسِيُّ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ
الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ
عَنْ عَمْرِو بْنِ مسلم عن طاووس الْيَمَانِيِّ قَالَ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ
أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرِ اللَّهِ»، قَالَ:
وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ [عُمَرَ] (٥) رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ، أَوِ الْكَيْسُ
وَالْعَجْزُ» (٦) .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ
اللَّهِ الصَّالِحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ
الْحِيرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ
(١) في«أ» مشعر والصحيح ما أثبتناه من «ب».
(٢)
أخرجه مسلم في القدر، باب كل شيء بقدر، برقم: (٢٦٥٦): ٤ / ٢٠٤٦، والمصنف في شرح
السنة:١ / ١٥٠.
(٣)
في «أ» الجبلي، وهو تصحيف.
(٤)
أخرجه مسلم في القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام، برقم: (٢٦٥٣): ٤ / ٢٠٤٤،
والمصنف في شرح السنة:١ / ١٢٣.
(٥)
في «ب»عمرو، والصحيح ما أثبتناه.
(٦)
أخرجه الإمام مالك في الموطأ، كتاب القدر، باب النهي عن القول بالقدر:٢ / ٨٩٩،
ومسلم في القدر، باب كل شيء بقدر، برقم: (٢٦٥٥): ٤ / ٢٠٤٥، والمصنف في شرح السنة:
١ / ١٣٤.
مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ
دُحَيْمٍ الشَّيْبَابِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمِ بْنِ أَبِي
غَرَزَةَ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، [وَعُبَيْدُ اللَّهِ] (١) بْنُ
مُوسَى وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ
حِرَاشٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ: يَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ،
ويؤمن بالبعث ١٤٧/أبَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ -زَادَ [عُبَيْدُ
اللَّهِ] (٢): خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (٣) .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ
شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ وَقَالَ: عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ عَلِيٍّ وَلَمْ يَقُلْ:
عَنْ رَجُلٍ، وَهَذَا أَصَحُّ (٤) .
(١) في «أ» عبد الله والصحيح ما أثبتناه.
(٢)
في «أ» عبد الله والصحيح ما أثبتناه.
(٣)
أخرجه الترمذي في القدر، باب ما جاء أن الإيمان بالقدر خيره وشره: ٦ / ٣٥٨، وابن
حبان في موارد الظمآن برقم: (٢٣) ص٣٧، والإمام أحمد: ١ / ٢٣٣، والمصنف في شرح
السنة: ١ / ١٢٢.
(٤)
أخرجه أبو داود الطيالسي١ / ٢٢ (١٠٦) ومن طريقه الترمذي في القدر، باب أن ما جاء
في الإيمان بالقدر خيره وشره: ٦ / ٣٥٧، وابن ماجه في المقدمة، باب في القدر، برقم
(٨١): ١ / ٣٢، وابن أبي عاصم: ١ / ٥٩، واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة: ٣ /
٦٢٠، وصححه الحاكم: ١ / ٣٢ ووافقه الذهبي، والإمام أحمد: ١ / ٩٧. والمصنف في شرح
السنة ١ / ١٢٢. وانظر: صحيح الجامع الصغير وزيادته برقم: (٧٥٨٤)
.
﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ
بِالْبَصَرِ (٥٠)
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ
صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾
﴿وَمَا
أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ﴿وَاحِدَةٌ﴾ . يَرْجِعُ إِلَى
الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ أَيْ: وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: وَمَا أَمْرُنَا
لِلشَّيْءِ إِذَا أَرَدْنَا تَكْوِينَهُ إِلَّا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ: كُنْ
فَيَكُونُ لَا مُرَاجَعَةَ فِيهَا كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ. قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ: يُرِيدُ أَنَّ قَضَائِي فِي خَلْقِي أَسْرَعُ مِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ عَنْهُ: وَمَا أَمْرُنَا لِمَجِيءِ السَّاعَةِ فِي
السُّرْعَةِ إِلَّا كَطَرَفِ الْبَصَرِ.
﴿وَلَقَدْ
أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ أَشْبَاهَكُمْ وَنُظَرَاءَكُمْ فِي الْكُفْرِ مِنَ
الْأُمَمِ السَّالِفَةِ.
﴿فَهَلْ
مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ مُتَّعِظٍ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ فَيَخَافُ وَيْعَتَبِرُ.
﴿وَكُلُّ
شَيْءٍ فَعَلُوهُ﴾ يَعْنِي فَعَلَهُ الْأَشْيَاعُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ﴿فِي
الزُّبُرِ﴾ فِي كِتَابِ الْحَفَظَةِ، وَقِيلَ: فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ.
﴿وَكُلُّ
صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ مِنَ الْخَلْقِ وَأَعْمَالِهِمْ وَآجَالِهِمْ ﴿مُسْتَطَرٌ﴾
مَكْتُوبٌ، يُقَالُ: سَطَّرْتُ
وَاسْتَطَرْتُ وَكَتَبْتُ
وَاكْتَتَبْتُ.
﴿إِنَّ
الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)
فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ
مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾
﴿إِنَّ
الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾ بَسَاتِينَ ﴿وَنَهَرٍ﴾ أَيْ أَنْهَارٍ، ووحَّده لأجل
رؤوس الْآيِ، وَأَرَادَ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ مِنَ الْمَاءِ وَالْخَمْرِ
وَاللَّبَنِ وَالْعَسَلِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَعْنِي فِي ضِيَاءٍ وَسَعَةٍ
وَمِنْهُ النَّهَارُ. وَقَرَأَ الْأَعْرَجُ «وَنُهُرٍ»، بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ
نَهَارٍ يَعْنِي: نَهَارًا لَا لَيْلَ لَهُمْ.
﴿فِي
مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ فِي مَجْلِسِ حَقٍّ لَا لَغْوَ فِيهِ وَلَا تَأْثِيمَ ﴿عِنْدَ
مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ مَلِكٍ قَادِرٍ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. قَالَ [جَعْفَرٌ] (١)
الصَّادِقُ: مَدَحَ اللَّهُ الْمَكَانَ بِالصِّدْقِ فَلَا يَقْعُدُ، فِيهِ إِلَّا
أَهْلُ الصِّدْقِ.
(١) ساقط من «ب».
.jpg)