بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ
﴿وَالذَّارِيَاتِ
ذَرْوًا (١)
فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢)
فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ
لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾
(١) أخرج ابن الضريس والنحاس وابن مردويه
والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نزلت سورة الذاريات بمكة.
انظر الدر المنثور: ٧ / ٦١٣.
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾
﴿وَالذَّارِيَاتِ
ذَرْوًا﴾ يَعْنِي: الرِّيَاحَ الَّتِي تَذْرُو التُّرَابَ ذَرْوًا، يُقَالُ:
ذَرَتِ الرِّيحُ التُّرَابَ وَأَذْرَتْ.
﴿فَالْحَامِلَاتِ
وِقْرًا﴾ يَعْنِي: السَّحَابَ تَحْمِلُ ثُقْلًا مِنَ الْمَاءِ.
﴿فَالْجَارِيَاتِ
يُسْرًا﴾ هِيَ السُّفُنُ تَجْرِي فِي الْمَاءِ جَرْيًا سَهْلًا.
﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ
أَمْرًا﴾ هِيَ الْمَلَائِكَةُ يُقَسِّمُونَ الْأُمُورَ بَيْنَ الْخَلْقِ عَلَى مَا
أُمِرُوا بِهِ، أَقْسَمَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِمَا فِيهَا مِنَ الدَّلَالَةِ
عَلَى صُنْعِهِ وَقُدْرَتِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُقْسَمَ عَلَيْهِ
فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، ﴿لَصَادِقٌ﴾ .
﴿وَإِنَّ
الدِّينَ﴾ [الْحِسَابَ وَالْجَزَاءَ] (١) ﴿لَوَاقِعٌ﴾ لِكَائِنٌ. ثُمَّ ابْتَدَأَ قَسَمًا
آخَرَ فَقَالَ:
﴿وَالسَّمَاءِ
ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وقَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ: ذَاتِ الْخَلْقِ
الْحَسَنِ الْمُسْتَوِي، يُقَالُ لِلنَّسَّاجِ إِذَا نَسَجَ الثَّوْبَ فَأَجَادَ:
مَا أَحْسَنَ حَبْكَهُ! قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ذَاتُ الزِّينَةِ. قَالَ
الْحَسَنُ: حُبِكَتْ بِالنُّجُومِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ الْمُتْقَنَةُ
الْبُنْيَانِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ: ذَاتُ
الطَّرَائِقِ
(١) ما بين القوسين زيادة من «ب».
كَحُبُكِ الْمَاءِ إِذَا ضَرَبَتْهُ
الرِّيحُ، وَحُبُكِ الرَّمْلِ وَالشَّعْرِ الْجَعْدِ، وَلَكِنَّهَا لَا تُرَى
لِبُعْدِهَا مِنَ النَّاسِ، وَهِيَ جَمْعُ حِبَاكٍ وَحَبِيكَةٍ، وَجَوَابُ
الْقَسَمِ قَوْلُهُ:
﴿إِنَّكُمْ
لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)
قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١)
يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ
يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ
تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾
﴿إِنَّكُمْ﴾
أَيْ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، ﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ فِي الْقُرْآنِ وَفِي
مُحَمَّدٍ ﷺ، تَقُولُونَ فِي الْقُرْآنِ: سِحْرٌ وَكِهَانَةٌ وَأَسَاطِيرُ
الْأَوَّلِينَ، وَفِي مُحَمَّدٍ ﷺ: سَاحِرٌ وَشَاعِرٌ وَمَجْنُونٌ. وَقِيلَ:
«لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ» أَيْ: مُصَدِّقٍ وَمُكَذِّبٍ.
﴿يُؤْفَكَ
عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ يُصْرَفُ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ مِنْ صُرِفَ حَتَّى
يُكَذِّبَهُ، يَعْنِي: مَنْ حَرَمَهُ اللَّهُ الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ
وَبِالْقُرْآنِ. وَقِيلَ «عَنْ» بِمَعْنَى: مِنْ أَجْلِ، أَيْ يُصْرَفُ مِنْ
أَجْلِ هَذَا الْقَوْلِ الْمُخْتَلِفِ أَوْ بِسَبَبِهِ عَنِ الْإِيمَانِ مَنْ
صَرَفَ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَ الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ
الْإِيمَانَ فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ سَاحِرٌ وَكَاهِنٌ وَمَجْنُونٌ،
فَيَصْرِفُونَهُ عَنِ الْإِيمَانِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ.
﴿قُتِلَ
الْخَرَّاصُونَ﴾ لُعِنَ الْكَذَّابُونَ، يُقَالُ: تَخَرَّصَ عَلَى فُلَانٍ
الْبَاطِلَ، وَهُمُ الْمُقْتَسِمُونَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا عِقَابَ مَكَّةَ،
وَاقْتَسَمُوا الْقَوْلَ فِي النَّبِيِّ ﷺ لِيَصْرِفُوا النَّاسَ عَنْ دِينِ
الْإِسْلَامِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمُ الْكَهَنَةُ.
﴿الَّذِينَ
هُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ غَفْلَةٍ وَعَمًى وَجَهَالَةٍ، ﴿سَاهُونَ﴾ لَاهُونَ غَافِلُونَ
عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَالسَّهْوُ: الْغَفْلَةُ عَنِ الشَّيْءِ، وَهُوَ ذَهَابُ
الْقَلْبِ عَنْهُ.
﴿يَسْأَلُونَ
أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ يَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ مَتَى يَوْمُ الْجَزَاءِ،
يَعْنِي: يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَكْذِيبًا وَاسْتِهْزَاءً.
قَالَ اللَّهُ عز وجل:
﴿يَوْمَ
هُمْ﴾ أَيْ يَكُونُ هَذَا الْجَزَاءُ فِي يَوْمٍ هُمْ، ﴿عَلَى النَّارِ
يُفْتَنُونَ﴾ أَيْ: يُعَذَّبُونَ وَيُحْرَقُونَ بِهَا كَمَا يُفْتَنُ الذَّهَبُ
بِالنَّارِ. وَقِيلَ: «عَلَى» بِمَعْنَى الْبَاءِ أَيْ بِالنَّارِ، وَتَقُولُ
لَهُمْ خَزَنَةُ النَّارِ: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ .
﴿ذُوقُوا
فِتْنَتَكُمْ﴾ عَذَابَكُمْ، ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ فِي
الدُّنْيَا تَكْذِيبًا بِهِ.
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
(١٥)
آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ
إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ
اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾
﴿إِنَّ
الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ﴾ أَعْطَاهُمْ،
﴿رَبُّهُمْ﴾ مِنَ الْخَيْرِ وَالْكَرَامَةِ، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾
قبل ١٣٩/ب دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ، ﴿مُحْسِنِينَ﴾ فِي الدُّنْيَا.
﴿كَانُوا
قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ وَالْهُجُوعُ النَّوْمُ بِاللَّيْلِ
دُونَ النَّهَارِ، «وَمَا» صِلَةٌ، وَالْمَعْنَى: كَانُوا يَهْجَعُونَ قَلِيلًا
مِنَ اللَّيْلِ، أَيْ يُصَلُّونَ أَكْثَرَ اللَّيْلِ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَانَ اللَّيْلُ
الَّذِي يَنَامُونَ فِيهِ كُلُّهُ قَلِيلًا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ
جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، يَعْنِي: كَانُوا قَلَّ لَيْلَةٌ تَمُرُّ بِهِمْ
إِلَّا صَلَّوْا فِيهَا شَيْئًا، إِمَّا مِنْ أَوَّلِهَا أَوْ مِنْ أَوْسَطِهَا.
قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: كَانُوا يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ
وَالْعَشَاءِ (١) . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: كَانُوا لَا يَنَامُونَ
حَتَّى يُصَلُّوا الْعَتَمَةَ (٢) . قَالَ مُطْرِفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
الشِّخِّيرِ: قَلَّ لَيْلَةٌ أَتَتْ عَلَيْهِمْ هَجَعُوهَا كُلَّهَا (٣) . قَالَ
مُجَاهِدٌ: كَانُوا لَا يَنَامُونَ كُلَّ اللَّيْلِ (٤) .
وَوَقَفَ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلِهِ:
«قَلِيلًا» أَيْ: كَانُوا مِنَ النَّاسِ قَلِيلًا ثُمَّ ابْتَدَأَ: «مِنَ
اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ»، وَجَعَلَهُ جَحْدًا أَيْ: لَا يَنَامُونَ بِاللَّيْلِ
الْبَتَّةَ، بَلْ يَقُومُونَ لِلصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ، وَهُوَ قَوْلُ
الضَّحَّاكِ وَمُقَاتِلٍ. ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قَالَ
الْحَسَنُ: لَا يَنَامُونَ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا أَقَلَّهُ، وَرُبَّمَا نَشِطُوا
فَمَدُّوا إِلَى السَّحَرِ، ثُمَّ أَخَذُوا بِالْأَسْحَارِ فِي الِاسْتِغْفَارِ
(٥) . وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ: وَبِالْأَسْحَارِ
يُصَلُّونَ، وَذَلِكَ أَنَّ صَلَاتَهُمْ بِالْأَسْحَارِ لِطَلَبِ الْمَغْفِرَةِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ
أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ
بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُخْلِدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ
إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى سَمَاءِ
الدُّنْيَا كُلَّ
(١) أخرجه أبو داود: ٢ / ٩٥، الطبري: ٢٦ /
١٩٦، محمد بن نصر المروزي في قيام الليل ص (٧١) من مختصر المقريزي. والبيهقي في
السنن: ٣ / ١٩، وذكره ابن كثير في التفسير: ٤ / ٢٣٤.
(٢)
أخرجه الطبري: ٢٦ / ١٩٦، ومحمد بن نصر المروزي في قيام الليل ص (٢٥) من مختصر
المقريزي وعزاه السيوطي في الدر المنثور: ٧ / ٦١٥ أيضًا لابن أبي حاتم وابن
مردويه والبيهقي في سننه.
(٣)
أخرجه الطبري: ٢٦ / ١٩٧، ومحمد بن نصر في قيام الليل صفحة: (٢٥) من مختصر
المقريزي، وابن كثير: ٤ / ٢٣٤.
(٤)
أخرجه محمد بن نصر المرزوي في قيام الليل صفحة (٢٤) من مختصر المقريزي.
(٥)
أخرجه الطبري: ٢٦ / ١٩٨؛ ومحمد بن نصر المروزي في قيام الليل ص (٨١) من مختصر
المقريزي.
لَيْلَةٍ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ
اللَّيْلِ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ، مَنِ الَّذِي يَدْعُونِي
فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنِ الَّذِي يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنِ الَّذِي
يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟» (١) .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ
الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ،
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ،
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانَ
بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ
ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أنت
قَيِّمُ السموات وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، [وَلَكَ الْحَمْدُ أنت نور السموات
وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أنت ملك السموات وَالْأَرْضِ
وَمَنْ فِيهِنَّ] (٢) وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ،
وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ،
وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ
أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ
خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ
وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ،
لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ». قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ
عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ: «وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا
بِاللَّهِ» (٣) .
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ
الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ،
أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ،
حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي عمير
بن هانىء، حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، حَدَّثَنِي عُبَادَةُ عَنِ
النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ
الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا
اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ». (٤)
﴿وَفِي
أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾
قَوْلُهُ عز وجل:
﴿وَفِي
أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ السَّائِلُ: الَّذِي يَسْأَلُ
النَّاسَ، وَالْمَحْرُومُ: الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِي الْغَنَائِمِ سَهْمٌ، وَلَا
يُجْرَى عَلَيْهِ مِنَ الْفَيْءِ شَيْءٌ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ
بْنِ
(١) أخرجه الترمذي من طريق قتيبة، باب في
نزول الرب تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة: ٢ / ٥٢٤ وقال: «حديث صحيح، وقد
روي هذا الحديث من أوجه كثيرة عن أبي هريرة.. وهذه أصح الروايات». وأخرجه البخاري
في التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل: ٣ / ٢٩، ومسلم في صلاة المسافرين،
باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه برقم: (٧٥٨): ١ / ٥٢١،
والمصنف في شرح السنة: ٤ / ٦٣-٦٤.
(٢)
ما بين القوسين ساقط من «أ».
(٣)
أخرجه البخاري في التهجد، باب التهجد بالليل: ٣ / ٣، ومسلم في صلاة المسافرين باب
الدعاء في صلاة الليل: برقم (٧٦٩): ١ / ٥٣٣، والمصنف في شرح السنة: ٤ / ٦٨.
(٤)
أخرجه البخاري في التهجد، باب فضل من تعار من الليل فصلى: ٣ / ٣٩، والمصنف في شرح
السنة: ٤ / ٧١-٧٢.
الْمُسَيِّبِ، قَالَا [الْمَحْرُومُ
الَّذِي] (١) لَيْسَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ سَهْمٌ، وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ:
الَّذِي مُنِعَ الْخَيْرَ وَالْعَطَاءَ.
وَقَالَ قَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ:
«الْمَحْرُومُ» الْمُتَعَفِّفُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ.
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: هُوَ
الْمُصَابُ ثَمَرُهُ أَوْ زَرْعُهُ أَوْ نَسْلُ مَاشِيَتِهِ. وَهُوَ قَوْلُ
مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: الْمَحْرُومُ صَاحِبُ الْجَائِحَةِ
(٢) ثُمَّ قَرَأَ: «إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ» (الْوَاقِعَةِ-٦٦-٦٧)
.
﴿وَفِي
الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا
تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾
﴿وَفِي
الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾ عِبَرٌ، ﴿لِلْمُوقِنِينَ﴾ إِذَا سَارُوا فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ
وَالْبِحَارِ وَالْأَشْجَارِ وَالثِّمَارِ وَأَنْوَاعِ النَّبَاتِ. ﴿وَفِي
أَنْفُسِكُمْ﴾ آيَاتٌ، إِذْ كَانَتْ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ
عَظْمًا إِلَى أَنْ نُفِخَ فِيهَا الرُّوحُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ: يُرِيدُ اخْتِلَافَ الْأَلْسِنَةِ وَالصُّوَرِ وَالْأَلْوَانِ
وَالطَّبَائِعِ.
وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: يُرِيدُ
سَبِيلَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مِنْ مَدْخَلٍ وَاحِدٍ
وَيُخْرِجُ مِنْ سَبِيلَيْنِ.
﴿أَفَلَا
تُبْصِرُونَ﴾ [قَالَ مُقَاتِلٌ] (٣) أَفَلَا تُبْصِرُونَ كَيْفَ خَلَقَكُمْ
فَتَعْرِفُوا قُدْرَتَهُ عَلَى الْبَعْثِ.
﴿وَفِي
السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلٌ: يَعْنِي
الْمَطَرَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْأَرْزَاقِ، ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ قَالَ عَطَاءٌ:
مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: وَمَا تُوعَدُونَ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ
أَقْسَمَ بِنَفْسِهِ فَقَالَ:
﴿فَوَرَبِّ
السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أَيْ: مَا ذَكَرْتُ مِنْ أَمْرِ
الرِّزْقِ لِحَقٌّ، ﴿مِثْلَ﴾ قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ
عَاصِمٍ: «مِثْلُ» بِرَفْعِ اللَّامِ بَدَلًا مِنْ «الْحَقِّ»، وَقَرَأَ
الْآخَرُونَ بِالنَّصْبِ أَيْ كَمِثْلِ، ﴿مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾
فَتَقُولُونَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقِيلَ: شَبَّهَ تَحْقِيقَ مَا
أَخْبَرَ عَنْهُ بِتَحْقِيقِ
(١) ساقط من «أ».
(٢)
في «ب» الحاجة.
(٣)
ساقط من «أ».
نُطْقِ الْآدَمِيِّ، كَمَا تَقُولُ:
إِنَّهُ لِحَقٌّ كَمَا أَنْتَ هَا هُنَا، وَإِنَّهُ لَحَقٌّ كَمَا أَنَّكَ
تَتَكَلَّمُ، وَالْمَعْنَى: إِنَّهُ فِي صِدْقِهِ وَوُجُودِهِ كَالَّذِي
تَعْرِفُهُ ضَرُورَةً. قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: يَعْنِي: كَمَا أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ
يَنْطِقُ بِلِسَانِ نَفْسِهِ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَنْطِقَ بِلِسَانِ غَيْرِهِ
فَكَذَلِكَ كَلُّ إِنْسَانٍ يَأْكُلُ رِزْقَ نَفْسِهِ الَّذِي قُسِمَ لَهُ، وَلَا
يَقْدِرُ أَنْ يَأْكُلَ رِزْقَ غَيْرِهِ.
﴿هَلْ
أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا
سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ
بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ
(٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ
عَقِيمٌ (٢٩)﴾
قَوْلُهُ عز وجل:
﴿هَلْ
أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾، ذَكَرْنَا عَدَدَهُمْ فِي سُورَةِ هُودٍ
(١) ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾، [قِيلَ: سَمَّاهُمْ مُكْرَمِينَ] (٢) لِأَنَّهُمْ كَانُوا
مَلَائِكَةً كِرَامًا عِنْدَ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي
وَصْفِهِمْ: «بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ» (الْأَنْبِيَاءِ -٢٦) وَقِيلَ:
لِأَنَّهُمْ كَانُوا ضَيْفَ إِبْرَاهِيمَ وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ أَكْرَمَ
الْخَلِيقَةِ، وَضَيْفُ الْكِرَامِ مُكْرَمُونَ.
وَقِيلَ: لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ عليه
السلام أكرمهم ١٤٠/أبِتَعْجِيلِ قِرَاهُمْ، وَالْقِيَامِ بِنَفْسِهِ عَلَيْهِمْ
بِطَلَاقَةِ الْوَجْهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ
مُجَاهِدٍ: خِدْمَتُهُ إِيَّاهُمْ بِنَفْسِهِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:
سَمَّاهُمْ مكرمين لأنهم جاؤوا غَيْرَ مَدْعُوِّينَ. وَرُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ
ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» (٣) .
﴿إِذْ
دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾، أَيْ:
غُرَبَاءُ لَا نَعْرِفُكُمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ فِي نَفْسِهِ هَؤُلَاءِ
قَوْمٌ لَا نَعْرِفُهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّمَا أَنْكَرَ أَمْرَهُمْ لِأَنَّهُمْ
دَخَلُوا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ:
أَنْكَرَ سَلَامَهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَفِي تِلْكَ الْأَرْضِ.
﴿فَرَاغَ﴾،
فَعَدَلَ وَمَالَ، ﴿إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾، مَشْوِيٍّ.
﴿فَقَرَّبَهُ
إِلَيْهِمْ﴾، لِيَأْكُلُوا فَلَمْ يَأْكُلُوا، ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ
فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾، أَيْ: صَيْحَةٍ، قِيلَ: لَمْ يَكُنْ
ذَلِكَ إِقْبَالًا مِنْ مَكَانٍ
(١) انظر فيما سبق: ٤ / ١٨٧.
(٢)
ما بين القوسين ساقط من «أ».
(٣)
قطعة من حديث أخرجه البخاري في الرقاق، باب حفظ اللسان: ١١ / ٣٠٨، ومسلم من
الإيمان، باب الحث على إكرام الجار برقم: (٤٧): ١ / ٦٨ والمصنف في شرح السنة: ١٤ /
٣١٢.
إِلَى مَكَانٍ، وَإِنَّمَا هُوَ
كَقَوْلِ الْقَائِلِ: أَقْبَلَ يَشْتُمُنِي، بِمَعْنَى أَخَذَ فِي شَتْمِي، أَيْ
أَخَذَتْ تُوَلْوِلُ كَمَا قَالَ: «قالت يا ويلتي»، (هُودٍ-٧٢)، ﴿فَصَكَّتْ
وَجْهَهَا﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَطَمَتْ وَجْهَهَا. وَقَالَ الْآخَرُونَ:
جَمَعَتْ أَصَابِعَهَا فَضَرَبَتْ جَبِينَهَا تَعَجُّبًا، كَعَادَةِ النِّسَاءِ
إِذَا أَنْكَرْنَ شَيْئًا، وَأَصْلُ الصَّكِّ: ضَرْبُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ
الْعَرِيضِ.
﴿وَقَالَتْ
عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾، مَجَازُهُ: أَتَلِدُ عَجُوزٌ عَقِيمٌ؟ وَكَانَتْ سَارَةُ لَمْ
تَلِدْ قَبْلَ ذَلِكَ.
﴿قَالُوا
كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)﴾
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا
الْمُرْسَلُونَ (٣١)
قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى
قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)
مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
(٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾
﴿قَالُوا
كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ﴾، أَيْ كَمَا قُلْنَا لَكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّكَ
سَتَلِدِينَ غُلَامًا، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ .
﴿قَالَ﴾
[يَعْنِي إِبْرَاهِيمَ] (١) ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ .
﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾، يَعْنِي: قَوْمَ لُوطٍ.
﴿لِنُرْسِلَ
عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً﴾، مُعَلَّمَةً، ﴿عِنْدَ رَبِّكَ
لِلْمُسْرِفِينَ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِلْمُشْرِكِينَ، وَالشِّرْكُ أَسْرَفُ
الذُّنُوبِ وَأَعْظَمُهَا.
﴿فَأَخْرَجْنَا
مَنْ كَانَ فِيهَا﴾، أَيْ: فِي قُرَى قَوْمِ لُوطٍ، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾،
وَذَلِكَ قَوْلُهُ: «فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقَطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ» (هُودٍ-٨١)
.
﴿فَمَا
وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ﴾، أَيْ غَيْرَ أَهْلِ بَيْتٍ، ﴿مِنَ
الْمُسْلِمِينَ﴾، يَعْنِي لُوطًا وَابْنَتَيْهِ، وَصْفَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى
بِالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ جَمِيعًا لِأَنَّهُ مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَهُوَ
مُسْلِمٌ.
﴿وَتَرَكْنَا
فِيهَا﴾، أَيْ فِي مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، ﴿آيَةً﴾، عِبْرَةً، ﴿لِلَّذِينَ
يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، أَيْ: عَلَامَةً لِلْخَائِفِينَ تَدُلُّهُمْ
عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَهْلَكَهُمْ فَيَخَافُونَ مِثْلَ عَذَابِهِمْ.
(١) ما بين القوسين ساقط من «أ».
﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى
فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)
فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ
سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي
الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ
الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ
كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣)
فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ
(٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥)﴾
﴿وَفِي
مُوسَى﴾، أَيْ: وَتَرَكْنَا فِي إِرْسَالِ مُوسَى آيَةً وَعِبْرَةً. وَقِيلَ: هُوَ
مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: «وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ»، [وَفِي
مُوسَى] (١) ﴿إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾،
بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ.
﴿فَتَوَلَّى﴾،
فَأَعْرَضَ وَأَدْبَرَ عَنِ الْإِيمَانِ، ﴿بِرُكْنِهِ﴾، أَيْ بِجَمْعِهِ
وَجُنُودِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَقَوَّى بِهِمْ، كَالرُّكْنِ الَّذِي يُقَوَّى
بِهِ الْبُنْيَانُ، نَظِيرُهُ: «أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ» (هُودٍ-٨٠)،
﴿وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: «أَوْ» بِمَعْنَى
الْوَاوِ.
﴿فَأَخَذْنَاهُ
وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، أَغْرَقْنَاهُمْ فِيهِ، ﴿وَهُوَ
مُلِيمٌ﴾ أَيْ: آتٍ بِمَا يُلَامُ عَلَيْهِ مِنْ دَعْوَى الرُّبُوبِيَّةَ
وَتَكْذِيبِ الرَّسُولِ.
﴿وَفِي
عَادٍ﴾، أَيْ: وَفِي إِهْلَاكِ عَادٍ أَيْضًا آيَةٌ، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ
الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾، وَهِيَ الَّتِي لَا خَيْرَ فِيهَا وَلَا بَرَكَةَ وَلَا
تُلَقِّحُ شَجَرًا وَلَا تَحْمِلُ مَطَرًا.
﴿مَا
تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ﴾، مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ
وَأَمْوَالِهِمْ، ﴿إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾، كَالشَّيْءِ الْهَالِكِ
الْبَالِي، وَهُوَ نَبَاتُ الْأَرْضِ إِذَا يَبِسَ وَدِيسَ. قَالَ مُجَاهِدٌ:
كَالتِّبْنِ الْيَابِسِ. قَالَ قَتَادَةُ: كَرَمِيمِ الشَّجَرِ. قَالَ أَبُو
الْعَالِيَةِ: كَالتُّرَابِ الْمَدْقُوقِ. وَقِيلَ: أَصِلُهُ مِنَ الْعَظْمِ
الْبَالِي.
﴿وَفِي
ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾، يَعْنِي وَقْتَ فَنَاءِ
آجَالِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا عَقَرُوا النَّاقَةَ قِيلَ لَهُمْ:
تَمَتَّعُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
﴿فَعَتَوْا
عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾، يَعْنِي بَعْدَ مُضِيِّ
الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ، وَهِيَ الْمَوْتُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ
مُقَاتِلٌ: يَعْنِي الْعَذَابَ، وَ«الصَّاعِقَةُ»: كُلُّ عَذَابٍ مُهْلِكٌ،
وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ: «الصَّعْقَةُ»، وَهِيَ الصَّوْتُ الَّذِي يَكُونُ مِنَ
الصَّاعِقَةِ، ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، يَرَوْنَ ذَلِكَ عِيَانًا.
(١) زيادة من «ب».
﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾، فَمَا
قَامُوا بَعْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ بِهِمْ وَلَا قَدَرُوا عَلَى نُهُوضٍ. قَالَ
قَتَادَةُ: لَمْ يَنْهَضُوا مِنْ تِلْكَ الصَّرْعَةِ، ﴿وَمَا كَانُوا
مُنْتَصِرِينَ﴾، مُمْتَنِعِينَ مِنَّا. قَالَ قَتَادَةُ: مَا كَانَتْ عِنْدَهُمْ
قُوَّةٌ يَمْتَنِعُونَ بِهَا مِنَ اللَّهِ.
﴿وَقَوْمَ
نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ
وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا
تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
(٥١)﴾
﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾
﴿وَقَوْمَ
نُوحٍ﴾، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: «وَقَوْمِ» بِجَرِّ
الْمِيمِ، أَيْ: وَفِي قَوْمِ نُوحٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِنَصْبِهَا
بِالْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَى، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: «فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ
فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ»، مَعْنَاهُ: أَغْرَقْنَاهُمْ وَأَغْرَقْنَا قَوْمَ
نُوحٍ. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، أَيْ: مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ، وَهُمْ عَادٌ وَثَمُودُ
وَقَوْمُ فِرْعَوْنَ. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ .
﴿وَالسَّمَاءَ
بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾، بِقُوَّةٍ وَقُدْرَةٍ، ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾، قَالَ
ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: قَادِرُونَ. وَعَنْهُ أَيْضًا:
لَمُوسِعُونَ الرِّزْقَ عَلَى خَلْقِنَا. وَقِيلَ: ذُو سَعَةٍ. قَالَ الضَّحَّاكُ:
أَغْنِيَاءُ، دَلِيلُهُ: قَوْلُهُ عز وجل: «عَلَى الْمُوسِعِ قَدْرُهُ»
(الْبَقَرَةِ -٢٣٦)، قَالَ الْحَسَنُ: مُطِيقُونَ.
﴿وَالْأَرْضَ
فَرَشْنَاهَا﴾، بَسَطْنَاهَا وَمَهَّدْنَاهَا لَكُمْ، ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾،
الْبَاسِطُونَ نَحْنُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نِعْمَ مَا وَطَّأْتُ لِعِبَادِي.
﴿وَمِنْ
كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾، صِنْفَيْنِ وَنَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ
كَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ،
وَالْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَالسَّهْلِ وَالْجَبَلِ، وَالشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ،
وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالنُّورِ وَالظُّلْمَةِ،
وَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَالْحَقِّ
وَالْبَاطِلِ، وَالْحُلْوِ وَالْمُرِّ. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَتَعْلَمُونَ
أَنَّ خَالِقَ الْأَزْوَاجِ فَرْدٌ.
﴿فَفِرُّوا
إِلَى اللَّهِ﴾، فَاهْرُبُوا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِلَى ثَوَابِهِ، بِالْإِيمَانِ
وَالطَّاعَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِرُّوا مِنْهُ إِلَيْهِ وَاعْمَلُوا
بِطَاعَتِهِ. وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فِرُّوا مِمَّا سِوَى اللَّهِ
إِلَى اللَّهِ، ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ
اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ .
﴿كَذَلِكَ﴾،
أَيْ: كَمَا كَذَّبَكَ قَوْمُكَ وَقَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ كَذَلِكَ، ﴿مَا
أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
مِنْ قَبْلِ كُفَّارِ مَكَّةَ، ﴿مِنْ
رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ . ١٤٠/ب
﴿أَتَوَاصَوْا
بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ
بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾، أَيْ: أَوْصَى أَوَّلُهُمْ آخِرَهُمْ وَبَعْضُهُمْ بعضًا
بالتكذيب وتواطؤا عَلَيْهِ؟ وَالْأَلْفُ فِيهِ لِلتَّوْبِيخِ، ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ
طَاغُونَ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَمَلَهُمُ الطُّغْيَانُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُمْ
وَوَسَّعْتُ عَلَيْهِمْ عَلَى تَكْذِيبِكَ، ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، فَأَعْرِضْ
عَنْهُمْ، ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾، لَا لَوْمَ عَلَيْكَ فَقَدْ أَدَّيْتَ
الرِّسَالَةَ وَمَا قَصَّرْتَ فِيمَا أُمِرْتَ بِهِ.
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا
نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى
أَصْحَابِهِ، وَظَنُّوا أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَأَنَّ الْعَذَابَ قَدْ
حَضَرَ إِذْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَوَلَّى عَنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ
تَعَالَى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فَطَابْتُ
أَنْفُسُهُمْ (١) .
قَالَ مُقَاتِلٌ: مَعْنَاهُ عِظْ
بِالْقُرْآنِ كُفَّارَ مَكَّةَ، فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ مَنْ [سَبَقَ] (٢)
فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يُؤْمِنَ مِنْهُمْ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: عِظْ
بِالْقُرْآنِ مَنْ آمَنَ مِنْ قَوْمِكَ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُهُمْ.
﴿وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، قَالَ الْكَلْبِيُّ
وَالضَّحَّاكُ وَسُفْيَانُ: هَذَا خَاصٌّ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ،
يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ
-مِنَ الْمُؤْمِنِينَ -إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»، ثُمَّ قَالَ فِي أُخْرَى: «وَلَقَدْ
ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ»، (الْأَعْرَافِ-٧٩)
.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَمَا خَلَقْتُ
السُّعَدَاءَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِلَّا لِعِبَادَتِي وَالْأَشْقِيَاءَ
مِنْهُمْ إِلَّا لِمَعْصِيَتِي، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ،
قَالَ: هُوَ عَلَى مَا جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ الشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:
«إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» أَيْ إِلَّا لِآمُرَهُمْ أَنْ يَعْبُدُونِي وَأَدْعُوَهُمْ
إِلَى عِبَادَتِي، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عز وجل: «وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا
إِلَهًا وَاحِدًا». (التَّوْبَةِ-٣١) .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِلَّا
لِيَعْرِفُونِي. وَهَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْلُقْهُمْ لَمْ يُعْرَفْ
وُجُودُهُ وَتَوْحِيدُهُ، دَلِيلُهُ: قَوْلُهُ
(١) أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن
مجاهد، وسكت عنه البوصيري وقال: «رواه أحمد بن منيع بسند رواته ثقات»، وأخرجه
الطبري عن قتادة. انظر: المطالب العالية: ٣ / ٣٧٨ مع حاشية المحقق، تفسير الطبري:
٢٧ / ١١.
(٢)
ساقط من «أ».
تَعَالَى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ
مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» (الزُّخْرُفِ-٨٧) .
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِلَّا
لِيَخْضَعُوا إِلَيَّ وَيَتَذَلَّلُوا، وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِي اللُّغَةِ:
التَّذَلُّلُ وَالِانْقِيَادُ، فَكُلُّ مَخْلُوقٌ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
خَاضِعٌ لِقَضَاءِ اللَّهِ، مُتَذَلِّلٌ لِمَشِيئَتِهِ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ لِنَفْسِهِ
خُرُوجًا عَمَّا خُلِقَ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: «إِلَّا لِيَعْبُدُونِ»
إِلَّا لِيُوَحِّدُونِي، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُوَحِّدُهُ فِي الشِّدَّةِ
وَالرَّخَاءِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُوَحِّدُهُ فِي الشِّدَّةِ وَالْبَلَاءِ
دُونَ النِّعْمَةِ وَالرَّخَاءِ، بَيَانُهُ قَوْلُهُ عز وجل: «فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ
دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ». (الْعَنْكَبُوتِ-٦٥)
.
﴿مَا
أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو
الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ
أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾
﴿مَا
أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾، أَيْ: أَنْ يَرْزُقُوا أَحَدًا مِنْ خَلْقِي وَلَا
أَنْ يَرْزُقُوا أَنْفُسَهُمْ، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾، أَيْ: أَنْ
يُطْعِمُوا أَحَدًا مِنْ خَلْقِي، وَإِنَّمَا أَسْنَدَ الْإِطْعَامَ إِلَى
نَفْسِهِ، لِأَنَّ الْخَلْقَ عِيَالُ اللَّهِ وَمَنْ أَطْعَمَ عِيَالَ أَحَدٍ
فَقَدْ أَطْعَمَهُ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:
«اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي» (١) أَيْ: لَمْ تُطْعِمْ عَبْدِي، ثُمَّ
بَيَّنَ أَنَّ الرَّازِقَ هُوَ لَا غَيْرُهُ فَقَالَ:
﴿إِنَّ
اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾، يَعْنِي: لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، ﴿ذُو الْقُوَّةِ
الْمَتِينُ﴾، وَهُوَ الْقَوِيُّ الْمُقْتَدِرُ الْمُبَالِغُ فِي الْقُوَّةِ
وَالْقُدْرَةِ.
﴿فَإِنَّ
لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، ﴿ذَنُوبًا﴾، نَصِيبًا مِنَ
الْعَذَابِ ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾، مِثْلَ نَصِيبِ أَصْحَابِهِمُ
الَّذِينَ هَلَكُوا مَنْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ، وَأَصْلُ «الذَّنُوبِ»
فِي اللُّغَةِ: الدَّلْوُ الْعَظِيمَةُ الْمَمْلُوءَةُ مَاءً، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ
فِي الْحَظِّ وَالنَّصِيبِ، ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾، بِالْعَذَابِ يَعْنِي
أَنَّهُمْ أُخِّرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عز وجل:
﴿فَوَيْلٌ
لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ . يَعْنِي: يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ: يَوْمُ بَدْرٍ.
(١) قطعة من حديث أخرجه مسلم في البر والصلة
والآداب، باب فضل عيادة المريض، برقم: (٢٥٦٩): ٤ / ١٩٩٠.
.jpg)